حسن الأمين
110
مستدركات أعيان الشيعة
وهي الرطوبة ، وبهذا تكون الصورة على النحو الآتي : وفي داخل دائرة الرطوبة دائرة أخيرة قيل عنها إنها خلاء ، وقيل إنها ليست خلاء ، ويفضل جابر أن يختار لها الفرض الأول . وأما النفس التي هي الدائرة الثالثة بعد دائرة المبدأ الأول ودائرة العقل ، فإنها قد تشبثت بالدائرة التي دونها ، وهي دائرة الجوهر تشبثا جعلهما شيئا واحدا مرثيا ، وهو أول ما انفعل من أشياء ، ويعد بدءا للعالم المحسوس . هكذا تكون بنية الكون كما يتصورها جابر بن حيان : دوائر يحوي بعضها بعضا ، فدائرة العلة الأولى ، تتلوها من الداخل دائرة العقل ، وهذه تتلوها من الداخل دائرة النفس ، وهذه تتلوها من الداخل دائرة الجوهر ، وهذه تتلوها من الداخل دوائر للعناصر الأربعة ، وأخيرا تجيء دائرة خلاء ، ولقد اتخذ الكون شكل الدائرة لأن الدائرة أكمل الأشكال الهندسية ، وما جاء على صورتها يكون قليل الآفات وغير هالك إلا أن يشاء الله صانعه أن يهلكه ، وهو الذي فوق العلة الأولى وتحت مركز الدائرة الصغرى من هذا العالم ، ولذلك كان هو الأول والآخر . ولا أحسبني بحاجة إلى ذكر الشبه التام بين هذا التصور للعالم وبين الصورة التي تصورها أفلاطون - مؤسس الأفلاطونية الحديثة في الإسكندرية أبان القرن الثالث الميلادي - فمن الله الواحد انبثق العقل ، ومن العقل انبثقت نفس العالم وهي ليست مجسدة ولا قابلة للانقسام ، ولهذه النفس ميلان ، فتميل علوا إلى الواحد الاسمي ، وتميل سفلا إلى عالم الطبيعة ، ومن امتزاجها بالجوهر وما ينحصر فيه من عناصر أربعة تكونت الكائنات الحسية . فعل البروج والكواكب البروج والكواكب : فلك البروج قطعة واحدة منقسمة بطبيعتها اثني عشر قسما ، كل قسم منها ينقسم بدوره ثلاثين قسما ، فيصبح مجموع الأجزاء ثلاثمائة وستين جزءا ، وان هذا الفلك باجزائه هذه ليسير بالنسبة إلى ساكن الأرض من المغرب إلى المشرق بحركة خفيفة ، ويعلوه فلك آخر ، هو الأثير ، وهو يتحرك في اتجاه مضاد لاتجاه فلك البروج ، إذ يتحرك من المشرق إلى المغرب ، ثم يأتي فلك ثالث هو ما يسمى بفلك الكواكب المتحيرة ، التي تسلك مسارات يحتوي بعضها على بعض ، وأوسعها مدارا هو زحل ، وأصغرها مدارا هو القمر ( 1 ) ، وفيما بين هذا وذاك يكون المشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد على هذا الترتيب بادئا من زحل ومنتهيا إلى القمر . أما البروج الاثنا عشر فهي : الحمل ، الثور ، الجوزاء ، السرطان ، الأسد ، السنبلة ، الميزان ، العقرب ، القوس ، الجدي ، الدلو ، الحوت - وان الراصد من سكان الأرض ليرى الشمس في سيرها تقيم في كل برج من هذه الأبراج الاثني عشر ثلاثين يوما على وجه التقريب ، كما يرى زحل مقيما في كل برج ثلاثين شهرا ، والمشتري مقيما في كل برج عاما ، والمريخ مقيما في كل برج أربعين يوما ، ومثله عطارد والزهرة ، وأما القمر فيقيم في كل برج يومين ونصف يوم ( 2 ) . وإن هذه البروج الاثني عشر لتنقسم مجموعات أربعا على أساس الطبائع الأربع ، وذلك على الوجه الآتي : 1 - الحمل ، الأسد ، القوس . . . بروج نارية حارة يابسة ، تندرج في حرارتها هابطة من الحمل إلى القوس . 2 - الثور ، السنبلة ، الجدي . . . بروج أرضية باردة يابسة ، تندرج في برودتها على هذا الترتيب . 3 - الجوزاء ، الميزان ، الدلو . . . بروج هوائية حارة رطبة ، تندرج في رطوبتها على هذا الترتيب . 4 - السرطان ، العقرب ، الحوت . . . بروج مائية باردة رطبة ، تندرج على هذا الترتيب . والكواكب السبعة موزعة على هذه البروج ، فلكل من الشمس و [ القمي ] القمر برج واحد ، أما الشمس فبرجها الأسد ، وأما القمر فبرجه السرطان ، وتبقى عشرة بروج لخمسة كواكب ، لكل كوكب منها برجان ، أحدهما على يمين الشمس والقمر ، والآخر على يسارهما ، وذلك على الوجه الآتي : المريخ برجه الحمل ، والعقرب . زحل برجه الدلو ، والجدي . الزهرة برجها الثور ، والميزان . المشتري برجه الحوت ، والقوس . عطارد برجه الجوزاء ، والسنبلة . وإن الكواكب السبعة لتختلف في مقدار الحرارة التي تستمدها من الشمس باختلاف قربها منها أو بعدها عنها ، فالشمس هي التي تمد الكواكب كلها بالحرارة والنور ، ولذلك كانت الكواكب كلها على درجة من الحرارة صغيرة أو كبيرة ، برغم أنها تنقسم بين الطبائع الأربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، إذ إن منها ما ينتمي إلى البرودة - مثلا - مع كونه مزودا بقليل من حرارة الشمس . لهذا جعلت الشمس وسطا بين الكواكب لتصل حرارتها إلى الكوكب الأول والكوكب الأخير على تفاوت في الدرجة ، ولولا الشمس وإمدادها لسائر الكواكب بشيء من الحرارة يقل أو يزيد ، لبطل وجود الفلك بسبب البرد الذي لا حرارة فيه .
--> ( 1 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 33 - 34 . ( 2 ) نفس المرجع ، ص 38 .